فيضانات طاطا: التغيرات المناخية، النساء بالواحة أولى الضحايا
بقلم سيمان، باحثة ضمن فريق نسويات
تشكل فيضانات طاطا التي أغرقت المناطق الجنوبية من المغرب واحدة من الكوارث البيئية المتكررة التي ذكرتنا بتأثير التغيرات المناخية على الهامش أو المغرب المنسي، وخاصة نساء الواحة. تعرف هذه المنطقة، ذات الطابع القروي المهمش والعزلة المجالية، أزمات بيئية (الجفاف/ التصحر/ التلوث البيئي/الاستخراجية/التغير المناخي)، يجد اهل الواحة أنفسهم في مواجهة خطر دائم يهدد استقرارهم وخصوصيتهم المحلية. إلا أن النساء بالواحة، يعانين بشكل خاص من هذه الأزمات، مما يجعلهن الضحية الأولى لهذه التغيرات.
التغيرات المناخية: الرأسمالية نظام لا يمكن أن يكون صديق البيئة
التغيرات المناخية لا يمكن النظر إليها بوصفها ظاهرة بعيدة عن الواقع اليومي. كما يحاول الخبراء الباحثين الأكاديميين الترويج لها ، فهي السبب الأساسي للوضع القاسي في طاطا. انعدام الأمطار في السنوات الأخيرة، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الجفاف، كل ذلك ساهم في تدهور البيئة الطبيعية التي تعتمد عليها الساكنة الطاطوية في زراعتهم ومعيشتهم. ومع غياب منظور بيئي يحمل تدابير تراعي خصوصية المنطقة الطبيعية وايضا الثقافية لمواجهة هذه التغيرات، فأكيد الفيضانات ستشكل تهديدًا مستمرًا، لكن، بدلاً من التركيز على سياسات استباقية لمواجهة هذه الكوارث، يبدو أن الدولة لديها قرارات واضحة تجاهلية في التعامل مع الأسباب الجذرية للتغيرات المناخية. تميل السياسات التي تنهجها الدولة إلى كونها تخريبية و استنزافية لمقومات العيش في طاطا بدل أن تكون وقائية، وهو ما يعكس غياب استراتيجية طويلة الأمد لتخفيف آثار الكوارث الطبيعية وحماية واحات المغرب من الاندثار.
النساء في طاطا: الضحايا غير المرئيات للتغيرات المناخية
عندما ضربت الفيضانات منطقة طاطا سنة 0891 وايضا مرورا بفيضانات 8002/0102/4102 إلى آخر كارثة عرفتها أيام 02/12 شتنبر في سنة 4202 دائما ما تكون النساء في الواجهة، ليس فقط بسبب المهام اللصيقة بهن كالأعمال المنزلية والزراعية التي تقع على عاتقهن، ولكن أيضًا بسبب الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية التي يعانين منها. في دواوير الواحة والإقليم بصفة عامة ، تتكفل النساء بأدوار تقليدية مثل رعاية الأسرة، جمع المياه، والاعتناء بالحيوانات، وهي أعمال تتأثر بشكل مباشر بالفيضانات والجفاف.

على الرغم من أن النساء هن أولى المتأثرات بهذه الكوارث وأدوارهن الرئيسة في التعامل مع هذه الظروف الصعبة، إلا أنهن غالبًا ما يُستَبعَدن من عمليات صنع القرار. مع وقوع الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات، تجد النساء أنفسهن في مواجهة مباشرة مع آثار فقدان المحاصيل وتدمير المساكن، بينما يعانين من نقص الموارد والفرص الاقتصادية. ولنا في واحة أقا بدوار “الرحالة” معاينة مباشرة ميدانية لإحدى ضحايا الفيضانات اللواتي يلتحفن جدران مهترئة من الطين لا تحمي من البرد القارس فما بالكم بالسيول الجارفة التي تهدد الدواوير خاصة ونحن مقبلين على فصل الشتاء.
الزراعة والمياه: وجهان لمعاناة نساء الواحة
النساء في طاطا تعتمد بشكل كبير على الموارد الزراعية والمياه التي توفرها البيئة الطبيعية. ومع تعرض الزراعة للخطر بسبب الفيضانات المتكررة، يزداد الحصول على الطعام والماء صعوبة، مما يعمق معاناة المرأة الواحية في مجتمع يثقل كاهلها بأدوار قاسية كالعمل المنزلي. فالنساء يتحملن العبء الأكبر في مواجهة أزمة انقطاع المياه أثناء الأزمات، بينما ينشغل الرجال بمناقشة قضايا كالماء والخصخصة مع السلطات. في هذا الوقت، تجد النساء أنفسهن مضطرات للبحث عن قطرات الماء بين السواقي والوديان لتلبية احتياجات الطهي، واستحمام الأطفال، وتوفير الغذاء للأسرة. لا يتوقف الأمر عند التهميش، بل تنغمس النساء في إيجاد حلول ترقيعية للأزمة، في المقابل المجتمع يحاسبهن على تقصيرهن في أداء واجباتهن (التي ألصقها بهن المجتمع) اليومية بسبب انقطاع المياه؛ سواء فيما يتعلق بالطهي أو تنظيف المنزل والاهتمام بالأطفال. تجد النساء أنفسهن أمام واقع مرير: نقص المياه الصالحة للشرب، والتهديدات الصحية الناجمة عن تلوث مصادر المياه، مما يزيد من الأعباء الواقعة على عاتقهن بشكل لا يطاق. بالاضافة الى تدهور البنية التحتية كالطرقات والجسور الذي يؤدي إلى العزلة هو ايضا يؤثر بشكل أولي على حياة النساء الذي يزيد من صعوبتهن في الوصول للمراكز الصحية والخدمات الطبية هذا اذا افترضنا انها متوفرة لهن في الأصل.
الهجرة القسرية: نهاجر الواحة مرغمين وليس حبا في المركز
دائمًا ما يظن أهل المركز أننا غادرنا بلداتنا حبًا في طرقاتهم المعبدة، وبنيانهم الشاهقة، وأبراجهم المضيئة، أو طمعًا في وسائل نقلهم الحديثة. ينظرون إلينا كضيوف ثقيلين ينتظرون بفارغ الصبر رحيلنا. نعم، نحن أيضًا نود الرحيل بل العودة إلى حيث ننتمي. غير أن سياسات مركزكم همّشت واحتنا، وسلبت منا الأرض والنخيل. في قلب برلمانكم، تُوقَّع محاضر تهميش طاطا واستنزاف مواردها الطبيعية.
نحن نريد العودة إلى أرضنا، إلى نخيلها وأهلها الطيبين. نريد مياهنا التي جفتها قراراتكم في المركز بزراعة البطيخ الأحمر. نريد واحتنا قبل أن تُباع تربتها للخليجيين والمستثمرين. نريد العودة إلى حياتنا، قبل أن تقضي عليها سياساتكم الاقتصادية التي تقتل الأرض والإنسان في طاطا. نلجأ إلى الهجرة القسرية بحثًا عن ظروف معيشية أفضل، لكن النساء هن آخر من يغادر. فالأمهات لا يتركن الأرض، حيث تتمسك نساء الواحة بكل ما لديهن من أمل في عودة الحياة إلى السواقي والجنان وعلو النخيل وجني التمور. وإذا ما هاجرت النساء، فذلك بسبب إجبارهن على ترك فضاءاتهن الآمنة، ليتلقين ضوضاء المركز، ويقعن ضحايا للتحرش والاستغلال كيد عاملة رخيصة، في الواحة، حرمت النساء من أبسط شروط العيش بكرامة؛ فلا طرقات، ولا مستشفيات، ولا جامعات. إن الدولة تُجبر النساء في الواحة على الهجرة القسرية كواقع مفروض وليس كخيار. وهذا ما يجعلهن في مدن المركز يواجهون الاغتراب ووحشية التهجير، فضلاً عن أبشع أشكال الاستغلال.
لن يتحقق العدل المجالي والعدالة الاجتماعية إلا بالنضال الشعبي في طاطا ، فطاقات النضال لدى الساكنة الواحة لا حدود لها إذا أُطلِقت. وهذا ما يذكرنا بنضالات 5002 من أجل تحسين الخدمات الصحية والدفاع عن مجانيتها في طاطا وهي تجربة تستحق أن تذكر ضمن دروس النضال،اليوم تعيش الساكنة فرصة جديدة للنضال ضد التهميش، كما تصلنا اخبار ساكنة جماعة أقا التي تخوض احتجاجات بسبب انقطاع الماء ومضايقات السلطات لكن لنجاح نضال اقا يستوجب توسيعه ليشمل جميع مناطق الإقليم فالسبيل الوحيد لتحصين حركات النضال هو التضامن. والنساء دائما ما تجدهن في الخط الأمامي لهذه المعارك لأنهم ببساطة أكثر تضررا من تبعات الكوارث اقتصاديا واجتماعيا ولهذا وجب على الحركات النسوية والبيئة ظفر جهود التضامن والمساندة للنساء ضحايا فيضانات طاطا وكل الكوارث الطبيعية.
You May Also Like
لوبيا في زمان كورونا : تقرير نسويات 2020
22 فبراير 2021